"روميو والشيطان"
في حدود الساعة السابعة صباحا صرخت ساعة
المنبه واحتل ضجيجها فراغ غرفة النوم، كان روميو مرمي على سريره الزوجي وحيدا
بعيدا عن كل شيء، بعيدا عن زوجته التي هربت منه واخذت طفلهما، بعيدا عن عمله الذي
طرد منه بعد ان اتهم بالفشل كصحافي وحتى بعيدا عن نفسه التي أرادته ان يكون أعظم كاتب عرفته الإنسانية،
شعر بوحدة وجودية داخل سريره الكبير الذي أصبح فارغا حتى منه. التفت الى ساعة
المنبه المربعة البيضاء، انتبه الى عقاربها تخاطبه وتذكره بفشله، خطف الساعة
ورماها من نافذة غرفته بالطابق العلوي الا ان العقارب استمرت بالصراخ حتى عندما
اصطدمت بارض الشارع، كانت تصرخ كمجموعة أطفال شريرين يحاولون استفزازه, يدورون
حوله ويصرخون بوجهه: لن تخرسنا أيها الفاشل، فكيف لك ان تكون اعظم كاتب عرفته
الإنسانية وانت لم تنجح حتى بنشر مقالة واحدة؟
جلس روميو على السرير ممسكا براسه محاولا
تخفيف صداع ما تبقى من اثر الكحول الذي خلفته ليلة امس، الكحول بالنسبة لروميو
أداة أخرى للكتابة الأدبية التي لم يفلح بها حتى الان. اشتف من كاس الانيس بجانب سريره ليساعده على
ابتداء نهار جديد، رنين الهاتف جعله متوقعا، ربما خبر سار طال انتظاره، دحرت
توقعاته عندما سمع صوت امه من الطرف الاخر تذكره بذكرى عيد ميلاده الأربعين، دعته الى
العشاء معها وتمنت له اجمل الاماني ككل عام، اعتذر منها بحجة الكتابة وابعد الهاتف
عنه، جلس على مكتبته وتصفح بريده الالكتروني لعل أحدا يذكره بعيد ميلاده غير امه،
وصلته رسالة من دار نشر قد كان ارسل اليهم كتابته، وكان عنوان الرسالة: عزيزي
روميو، ناسف لأخبارك...... سمع هذه العبارة العديد من المرات خلال حياته التعيسة:
زوجته تتأسف منه لعدم مقدرتها على متابعة العيش معه، صديقه يتأسف منه لأنه اصبح
عشيق زوجته، دور النشر يتأسفون منه ويتمنون له النجاح، رئيس التحرير يتأسف لفصله
عن عمله، اما روميو فلا يتأسف لشيء، وبكل بساطة قرر الانتحار.
تعرى من ملابسه التي لم يخلعها أسبوعا كاملا
اخذ رفيقه الوحيد في هذا العالم، شغل موسيقى ام كلثوم "بعيد عنك" ودخل
الحمام، حلق ذقنه وجميع شعيرات جسده، قطع شرايين معصميه وغاص داخل الماء الساخن في
حوض الحمام، شرب ما تبقى من كاس انيسه ورماه ارضا، ابتسم حين سمع صوت تبعثر الزجاج
على ارض الحمام وذكره بتبعثر حياته على ارض الواقع، أغمض عينيه واستسلم الى الموت
فاتحا يديه مرحبا بالمرحلة الجديدة.....
امتزج الدم بلونه النبيذي بالماء، توقفت أم
كلثوم عن الغناء وظهر بدر في سماء الليل ينادي على العشاق، أخفق روميو حتى في
الانتحار، جر نفسه على أرضية الحمام ودمه يرسم مسار الفشل الى ان وصل الى غرفة
النوم، لم يكن متأكدا كم مر من الوقت، لاحظ البدر متألقا في سماء الليل، تابع
النزيف في الجريان والرسم العبثي، بحث عن شيء يضمد به جروحه، ففاجأته نفسه داخل
المرآة، عاريا حليقا داميا كطفل نزع لتوه من رحم
حاملته، سمع أحدا ينادي باسمه، "روميو"....ظن نفسه يهلوس بسبب النزيف،
القى نفسه على الفراش
في
اليوم التالي دخلت اشعة الشمس الى الغرفة ولاطفت وجهه، تنفس فوجد رائحة دخان كريه
في الغرفة، فتح عينيه فرآه يجلس على حافة سريره، رجل عجوز يرتدي بدلة بيضاء وقبعة
بيضاء، شعره وذقنه مسترسلان بالطول ومغمسان بالبياض، رفع راسه مذعورا بعض الشيء،
وسأل بهدوء الموت، من انت؟ أدار العجوز وجهه الى "روميو" وعلى وجهه
الهدوء والسكينة وابتسامة واسعة، أجاب العجوز: لا عليك، أسترح الان وسأخبرك لاحقا،
أغمض روميو عينيه واستسلم لأرض الاحلام، رأى نفسه يحلق في السماء فوق غابة خضراء،
كان باستطاعته لمس الأشجار، حيّى الطيور التي ترافقه، بعد مدة غير مفهومة رأى كوخا
جميلا كأنه خرج من اسطورة خرافية، تحيط به حديقة مسحورة تتعدد فيها الازهار
والفاكهة، سقط سقوطا ناعما على ارض الحديقة، راحت الازهار ترقص من حوله وتداعبه،
وهو يضحك ويرقص، خرج من الكوخ الرجل العجوز ببدلته البيضاء وقبعته التي تشبه تيجان
الملوك، يعض على سيجاره البني ويحمل كاسان من النبيذ الأحمر، رحب
"بروميو" وعرض عليه كاس النبيذ، اخذ "روميو" الكأس، ابتسم وسال: عفوا من انت؟ شرب العجوز
الكاس بجرعة واحدة وأجاب: انا الشيطان، صدم "روميو" فسال: هل انا ميت؟
هل هذه جهنم؟ ضحك العجوز ضحكة مرعبة جعلت الطيور تهاجر فورا والازهار تذبل كان
الخريف المميت وصل الغابة، ليس بعد أجاب العجوز، انت يا صديقي طلبت رؤيتي، فجئتك،
اخرج العجوز دفترا ذهبيا قلب صفحاته وقال: في تاريخ العاشر من أيلول، عندما اختفى
القمر تماما، انت يا "روميو" نظرت الى السماء وصرخت: سأبيع روحي للشيطان
لأصبح أعظم كاتب عرفته البشرية، فها انا هنا من اجلك يا صديقي، ضحك
"روميو" وسال: وهل روحي تساوى شيئا يستحق البيع؟ أجاب العجوز: هذا ما
سنكتشفه يا صديقي، حسنا سأبيعك روحي، لكن ما الذي اربحه بالمقابل؟ ابتسم العجوز ذو
اللحية البيضاء وأجاب: أحب غرور بني البشر، على كل حال، ان بعتني روحك سأجعلك أعظم
اديب عرفته الإنسانية، اليس هذا هو مبتغاك؟ نعم هذا ما اريد فعلا، ابتسم
"روميو" وشرب من الكاس، رأى جروح معصميه فأغمى عليه وسقط على فراش غرفة
نومه.
صباح
اخر أطل مكتسيا ببهجة الربيع، فتح روميو عينيه فوجد نفسه عاريا حليقا، معصماه
مضمدتان وعلى صدره أوراق وقلم ذهبي، حاول "روميو" استرجاع احداث الليلة
السابقة دون جدوى، امسك الأوراق وقرأها: عزيزي "روميو" حلمك على وشك ان
يتحقق، وقع على هذه الأوراق لتصبح افضل كاتب عرفته الإنسانية وانا سأحصل على روحك،
صديقك الشيطان، ضحك "روميو" ظن انها مزحة من احد الأصدقاء او ما تبقى من
الأصدقاء، تذكر أهمية الفكاهة في الحياة، انتابه شعور باحتياج الأصدقاء الذين
اهملهم، شعر بالندم على محاولته الفاشلة في الانتحار، راجع نفسه وكان ممتنا ان
المحاولة لم تنجح، فهو لن يحرم طفله من ابيه حتى لوكان فاشلا، فكر بإمكانية إصلاح
حياته، نظر الى المرآة، ضحك عندما رأى رأسه الاصلع، أمعن النظر بعينيه العسليتين،
محاولا العثور على البريق الذي ميزه أيام طفولته، قرر الخروج من البيت ليحسن مزاجه
العكر، تهندم وذهب الى منزل والدته، ارتعبت والدته عندما رأت الجروح على معصميه،
قبلت راسه وضمته الى صدرها كما لو كان طفلا صغيرا، بكيا معا من دون ان يتكلما، خرج
من منزل والدته في المساء، وقرر ان يهنئ نفسه في عيد ميلاده الأربعين، ذهب الى
حانوت الكتب واشترى هدية، بعض الأقلام والدفاتر ليسجل أفكار روايات عظيمة، فكر في
طريق العودة انه انفق اخر ما تبقى من نقوده، لكن هذا لم يعطل الجو الإيجابي الذي
ملأ كينونته، سيبيع روايته قريبا ويسدد ديونه ويمتطي جواد النجاح قريبا. استعد
"روميو" الى النوم، اخذ روايته ليراجعها وتوجه الى سريره. بغت روميو
عندما وجد الأوراق التي مزقها مع القلم الذهبي، هل كان يتخيل؟ ضحك
"روميو" عندما فكر بقدرة مخ الانسان على الحيل والخداع، دخل سريره
واستبدل روايته بالحاسوب وراح يتفحص بريده الالكتروني، وصله اتصال على " السكايب" متصل غير
معروف وموقع غير محدد، وعندما استقبل المكالمة، دهش لرؤية العجوز ذي اللحية
البيضاء والقبعة، يدخن سيجاره، تساءل "روميو": عفوا هل التقينا من
قبل؟ ضحك العجوز واغتصبت ضحكته فراغ غرفة
النوم، أجاب العجوز: هل نسيتني فعلا؟ انا الشيطان يا صديقي، ارتعش
"روميو" وتذكر كل شيء يتعلق بلقائهما، سأل العجوز: هل تراجعت عن صفقتنا؟
الا تريد ان تصبح أعظم اديب عرفته الإنسانية؟ طبعا، طبعا اريد، أجاب
"روميو"، ممتاز إذا وقع الأوراق ولنبدأ رحلتنا، صديقي
"روميو"، ان لم تكن جديا أخبرني الان، فليس لدي وقت لأضيعه على أرواح
مترددة، لكن ما المطلوب مني؟ سأل "روميو"، لم اخبرك؟ وقع على الأوراق
وادفع الثمن، لن تصبح أعظم كاتب ان لم تدفع الثمن يا صديقي، سال "روميو"
ذكرني ما الثمن؟ روحك يا عزيزي، لكن أولا علينا الدخول ببعض الإجراءات، ارتاح
"روميو" لبسمة الشيطان الابوية، فهو لم يكن مخيفا كما تصوره، ولم يكن
لديه قرون كما رسمه فنانو عصور النهضة، او ربّما خبأ قرونه تحت هذه القبعة البيضاء
من يدري؟ الشيء الأساسي سأصبح أعظم كاتب عرفته الإنسانية.
حسنا أجاب "روميو" سأدفع الثمن ليس
لدي ما اخسره، احسنت يا "روميو" احسنت، انقطع الاتصال، انزل
"روميو" الحاسوب عن صدره وقع عقده مع الشيطان واستسلم الى النوم، نام
"روميو" يحتضنه شعور بأمان وطمأنينة كما شعر عندما كان طفلا في حضن
والدته، وراح يحلق على اجناح الاحلام، شاهد نفسه يوقع على رواياته للمعجبين، يقتطف
جميع الجوائز الأدبية.
في صباح اليوم
التالي، أرسل نسخة من روايته الى أحد دور النشر التي تمنى دوما ان يكون من كتابها،
ترك منزله مفعما بالثقة بنفسه، وراح يبحث عن مكتب يليق بأعظم كاتب عرفته
الإنسانية، أراده مكتبا فخما يطل على البحر امتدادا يؤكد ان لا شيء في هذا الكون
يستطيع ان يحد نجاحه بعد اليوم.
عندما عاد بالمساء الى منزله أسرع الى حاسوبه
ليتفحص بريده الالكتروني، تفاجئ عندما وجد رسالة من دار النشر تنتظره، لم يتوقع
الرد بهذه السرعة، ضغط على الرسالة وصعق عندما قراها: عزيزي "روميو"
الرجاء كف عن ارسال نفس الرواية الينا متوقعا من ان نغير وجهة نظرنا بالموضوع.....
شعر "روميو" بهيجان عاطفته، شعر أنه سيفقد عقله، أخذ نفسا عميقا
ضحك وخاطب نفسه: ماذا كنت تتوقع يا "روميو" ان يساعدك الشيطان على
نجاحك؟ أنضج وكن واقعيا، بحث في ارجاء الغرفة عن العقد المشؤوم لكن لم يجده، رمى
نفسه على الفراش وحمل حاسوبه، وإذ به يتلقى اتصالا على " السكايب" متصل غير
معروف وموقع غير محدد، ظهر العجوز على شاشة الحاسوب ينفخ سيجاره بغضب، رفع
"روميو" نفسه جمع قواه وقال له: انت يا صديقي بارع الفكاهة، لكن انا ألقي
اللوم على نفسي، من الواضح إني في حالة ياس شديدة جعلتني اتماشى مع الاعيبك. فجأة
خرج العجوز من الشاشة انقض على "روميو" وجلس على صدره، وبخه قائلا: اياك
ان تستخف بي أيها البشري الحقير، لا تتصرف كالأطفال فانت وقعت العقد الذي لا عودة
عنه، هل تتخيل يا صديقي ان الشيطان يشتري أي روح؟ كلا فانا ابحث عن أفضل الأرواح
لأجمعها، وقبل ان استملك روحك عليك تحسينها بعض الشيء، قلتها لك من قبل انا لا
اشتري الأرواح الفاشلة والمحبطة! ارفع مستوى روحك لتجدي لي نفعا، هل تفهم أيها
الطفل؟ حسنا، وماذا تريدني ان افعل؟ سأل "روميو"، هناك بعض الإجراءات
قبل ان تربح جائزة "نوبل"، قل لي، هل قرات الالياذة والأوديسة لكاتبها
هوميروس؟ عض على سيجاره البني وأخرج الدخان من اذنيه ليصبح سحابة ترقص في الغرفة،
نعم، قراتها منذ زمن بعيد، أجاب "روميو"، صديقي كيف لك ان تكون أعظم كاتب
عرفته الإنسانية ودماغك خال من كتابات من قبلك؟ اقرأها بتمعن واستدعني عندما تنتهي
منها. وقبل ان يجيب "روميو" اختفى العجوز تاركا خلفه رائحة دخان السيجار
الكريه، بقي مذهولا في فراشه، مستغربا من طلب هذا الشيطان الذي يحثه على القراءة، أغمض
عينيه ودخل مملكة الاحلام، شاهد نفسه يسبح بمياه المحيط، شده المحيط الى قعره،
اكتشف حطام طائرة، وعندما دخلها وجد اسماك جميلة ترقص من حوله بأجمل الوانها
وحليها، توجه الى قمرة القبطان وجلس على كرسيه، أعاد تشغيلها ونهض من القعر ليحلق
في سماء المحيط.
استمر
"روميو" شهرا كاملا وهو يقرأ "الالياذة والأوديسة"، أربع عشرة
ساعة في اليوم وثلاثة وثلاثين دفتر ملاحظات وخمسة أقلام، وعندما فرغ من القراءة
شعر انه أصبح جاهزا ليتحول لأعظم اديب عرفته الإنسانية، راح يتفحص صفحات الشبكة
باحثا عن دار نشر تلائم كتابته، فاجأه صوت رعد قوي تقشعر له الابدان، قطع التيار
الكهربائي ومثل امامه العجوز غاضبا يحدق بعينيّ "روميو" والدخنة تخرج من
اذنيه: لماذا تخيب ظني بك مرة تلو الأخرى؟ تحلى بالصبر فروحك غير جاهزة للبيع بعد،
هل قرأت اشعار النابغة الذبياني؟ هل درست مسرحيات شكسبير، ماذا عن افلاطون؟ سقراط؟
دراسات فيتاغورس؟ الادب الحديث؟ الادب التقليدي؟ نتشة وجبران؟ اختفى العجوز لكن
صوته بقي في الغرفة مرددا قائمة طويلة للقراءة، وكلما ذكر أحدا سقطت كتبه على
أرضية الغرفة، شعر "روميو" انه يختنق من طول هذه القائمة، أراد ان يلعن
العجوز، لكن لسانه عجز عن الحراك وسمع صوتا قائلا: لا تجعلني اتراجع عن صفقتنا يا
صديقي. وظهر فرخ غراب مذعور يجلس على كتب "نيكوس كزانتساكيس".
مرت سبعة أعوام
"وروميو" يلتهم الكتب واحدا تلو الاخر، يسجل ملاحظته ويكتب مدوناته، لم
يحتج طيلة هذا الوقت ان يخرج من بيته فكان غرابه الجميل الذي اسماه
"تولستوي" لحبه للكاتب، يحضر له الاكل والشراب، ومعدات الكتابة، ويدفع
اجرة المنزل وجميع الأمور الحياتية، لم يظهر العجوز طيلة هذه الفترة، لم يستفقده
"روميو" لأنه لم يعد يسعد لرؤيته بعد اخر لقاء بينهم.
غردت ساعة المنبه في
تمام الساعة صباحا، وحلق "تولستوي" فوق فراش "روميو" انه ذكرى
ميلاده السابع والأربعين، ها قد مر سبعة أعوام على محاولة "روميو"
بالانتحار، شعره ولحيته استرسلا في الطول وصار يشبه النساك، لم ير أحدا كل هذه
الفترة الا كتبا كلمات اشعارا و "تولستوي"، أصبحت غرفته مليئة بالكتب
التي كان يجلبها له غرابه يوميا، تذكر والدته التي توفيت قبل خمسة أعوام، وابنه
الذي لم يره طوال هذه المدة، تخيله يكبر بعيدا عنه ربما وجد أبا افضل منه، لم يعد
يشعر بالوحدة فهو محاط بأفضل رفقة، عباقرة الادب منذ تكوين المجتمع الإنساني، اصبح
أصدقاؤه اموات الجسد وخالدي الروح، راح يفكر أي كتاب سيقرأ اليوم، وهو يبحث بين
الكتب وجد روايته القديمة، فتحها وبدأ يقرا، وعند بزوغ فجر اليوم التالي انهاها،
شعر انه لا يعرف صاحب هذه الرواية، وحتى يمقته، حمل الرواية وخرج الى حديقته، شيء
لم يفعله منذ سبعة أعوام "الخروج من غرفة نومه"، صار ينتزع صفحة تلو
الأخرى ويحرقها، متمتعا بقتل "روميو" القديم، وبعد أن انتهى من العملية
المنعشة، أسرع الى غرفة نومه، أخرج حاسوبه وراح ينقر على لوحة المفاتيح، اندلعت
الكلمات على الصفحات البيضاء كمطر غزير في يوم عاصف، تسعة أيام وهو منكب على مكتبه
يعزف مستسلما لموسيقى أصابعه وافكاره، دخل حالة اغماء لم يشهدها من قبل، نشوة
عاصفة وموسيقى مقدسة، لم يكف للحظة، نسي الاكل الشرب والنوم، انهى في اليوم العاشر
وقف على رجليه ومن ثم سقط أرضا، استيقظ بعد ثلاثة أيام على صوت
"تولستوي"، ينبهه لشيء، رأى الغراب يقف على شاشة الحاسوب، اقرب منه وإذ
ببريده الالكتروني مطفح بالرسائل من دور نشر مختلفة، جميعهم يطالبون لقاءه بشكل
ضروري، تفاجأ "روميو" لأنه كان متأكدا انه لم يرسل الرواية الى احد، حتى
"تولستوي" لم يقرأها، لكن فرحته اخفت وراءها جميع الأسئلة، اختار أحد
دور النشر التي كان يحلم ان يكون من ناشريها دوما، عين موعدا وذهب للقائهم، فوجئ
عندما دخل مكتب دار النشر من استقبالهم له، نعم اصبح كاتبا مقبولا، وقع على الكثير
من الأوراق والمعاملات دون ان يقرأها ورجع
وصديقه الغراب الى منزله. وبعد عام على اصدار
روايته، احتل المحل الأول في المبيعات وترجمت روايته لأكثر من عشرين لغة عالمية،
أصبح مشهورا يتنقل بين الدول ليلتقي بمعجبيه ويشترك بالندوات الأدبية، والمقابلات
التلفزيونية، ها هو "روميو" نجم متألق في سماء الأدب.
في تاريخ الحادي عشر
من شهر تشرين الثاني، وصل "روميو" الى باريس ليلتقي مع جمهوره ويقدم
روايته الثالثة، دخل الى مبنى المكتبة الوطنية، شعر بالنشوة عندما رأى تصميم
وهيكلة المكتبة، أحس انه وصل الجنة، تلقى رسالة نصية على جواله، شخص غير معروف
وموقع غير محدد: صديقي "روميو" مبروك لقد حققت حلمك وأصبحت روحا مهمة في
هذا العالم السطحي، لكن تذكر هنالك ثمن لكل شيء. ضحك "روميو" فقد نسي
العجوز، وفكر هل كانت هذه الشخصية من نسج خياله المبدع ام واقعيه، ما الفرق لقد
حصل على مبتغاه، التقى بمعجبيه وقع وكتب اهداءات خاصة، تصور معهم وقبلهم أيضا.
عندما ذهب الجميع في
المساء بقي "روميو" وحيدا في مبنى المكتبة، اجتاحه شعور بالشوق للقراءة،
راح يتمشى بين الكتب يلامسها يفتحها يقبلها كفتى متيم بعشيقته، سمع كتابا ضخما
مزخرفا ينادي باسمه بأعلى رفوف المكتبة، احضر السلم الخاص بالمكتبة وتسلق درجاته
مع شعور بالارتقاء، عندما وصل الكتاب سحبه من مكانه، كان ثقيلا، فتح صفحاته فوجدها
بيضاء خالية، ظن ان الكتاب يحتاجه ليملأ صفحاته، وهنا سقط "روميو" ارضا وتقاذفت
الكتب على جسده النحيل. في صباح اليوم التالي عندما وصل عمال المكتبة
وجدوه ملقى تحت الكتب مبتسما وقد فارقته روحه، تشاءم عمال المكتبة من الحادث، فقاموا
بصنع تمثال من وضعيته الغريبة ووضعوه في مركز المكتبة، كتبوا عليه:
"كاتب اديب أحب
الكتب فقتلته، احذر من الحب فهو اقوى من الحياة"
"النهاية"
تأليف: إيهاب
بحوث. ehab bahous bahouth
تعليقات
إرسال تعليق